Yahoo!

لا إكراه في الدين… فكيف يكون الإكراه في المذهب ؟!

كتبها محمد الكوخي ، في 26 مارس 2009 الساعة: 12:01 م

 

في البدء لا بد من الإقرار بحقيقة بسيطة ومهمة تتعلق بكاتب هذه السطور ويتوقف عليها ما سيأتي في هذا المقال من مواقف وآراء : فأنا لست شيعيّاً ولا أريد أن أدافع هنا عن مذهب معين في مواجهة مذاهب أخرى. أقول هذا الكلام ليس فقط من باب تبرئة الذمة من تهمة " التشيّع " التي صارت رائجة هذه الأيام في المغرب، والتي يمكن لأي مغربي أن يجد نفسه متهما بها بسبب موقف أو رأي أو انتماء معين. بل أقوله كذلك لأنني ببساطة لا أومن بالمذهب الشيعي ولا بأي معتقد من معتقداته سواء فيما يتعلق بالوصية في الحكم لعلي وأبناءه أو بعصمة الأئمة أو بالغيبة واختفاء المهدي وعودته آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا…وغيرها من المفاهيم الشيعية التي نشأت في ظل تاريخ سياسي وطائفي طويل، ولا حتى بالنظريات السياسية الحديثة المرتبطة بهذا الفكر وعلى رأسها " إمامة الفقيه " ونظلم حكم الملالي ورجال الدين… هذا لأنني وببساطة أيضا أومن بثلاثية الحرية والعقل والديمقراطية، وهي أمور تتناقض  بشكل مطلق مع أبجديات الفكر الشيعي ذي الطبيعة الاستبدادية وحتى مع كثير من المواقف التي تحسب على الفكر السني المروّج للاستبداد السياسي والمتحالف معه. إن تلك الأفكار الثلاثة ( الحرية / العقل / الديمقراطية ) والمترابطة فيما بينها بشكل كبير هي في نظري أساس أي مشروع مجتمعي ديمقراطي وحديث.

ولعل إيماني العميق بهذه القيم الثلاثة هو الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور من باب " فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين "، في محاولة للتذكير بخطورة الظاهرة الجديدة / القديمة المرتبطة ب " الإكراه " ونفي الحرية وخاصة في الدين. فعقب التطورات السياسية الأخيرة بين المغرب وإيران والتي وصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، واتهام المغرب لإيران بالسعي لنشر التشيع في المغرب، ظهرت إلى السطح مجددا خطابات رسمية حادة عن وحدة الدين ووحدة المذهب في المغرب، لكن ما يميزها هذه المرة ويجعلها خطيرة جدا ترافقها مع تحركات من الأجهزة الأمنية وصلت إلى  حد إغلاق المؤسسات التعليمية الأجنبية ( المدرسة العراقية في الرباط ) و القيام بحملات أمنية لمصادرة الكتب والدوريات والمجلات المتهمة بنشر التشيع وصولا إلى استدعاء الأجهزة الأمنية لبعض الناس في عدة مدن مغربية لسؤالهم عن مواقفهم الدينية والسياسية. وهي تطورات خطيرة توحي بأن موضوعا دبلوماسيا غامضا وغير واضح المعالم بدأ يتحول بالتدريج إلى موضوع أمني خطير لا تحمد عواقبه خاصة مع وجود تجارب سابقة شابتها العديد من التجاوزات في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولعل ملف السلفية الجهادية وما رافقه من تداعيات وصلت إلى درجة اتهام هيئات حقوقية دولية من بينها منظمة العفو الدولية للأجهزة الأمنية المغربية بكونها ارتكبت تجاوزات عديدة في مجال حقوق الإنسان، خير مثال على ذلك.

إذن فمثل هذه الممارسات السياسية التي تتخذ طابعا أمنيا في أغلب الأحيان، وفي موضوع حساس جدا كموضوع الحريات الدينية وحرية الاعتقاد والتفكير، يمكن أن تتحول إذا ما لم يتم الانتباه إلى خطورتها إلى نوع جديد من " محاكم التفتيش " القديمة وسيئة السمعة، والتي عرفتها أوروبا المسيحية خلال عصر الظلمات ( القرون الوسطى ) والتي راح ضحيتها عدد كبير من المنتمين إلى أديان مختلفة ( المسلمون واليهود في الأندلس مثلا ) ولم تستثني أيضا عددا من المفكرين والعلماء والمثقفين الذين كانت لهم آراء مخالفة لمواقف الكنيسة الرسمية ( أمثال جيوراندو برونو وغاليلي وكوبرنيك… ) والتي كان لها دور سيء جدا في محاولة إعاقة التقدم العلمي والفكري الذي عرفه عصر النهضة الأوروبية…

فحينما يتم تحويل قضايا الرأي والتعبير والحريات الفردية إلى قضايا أمنية، لا بد أن نتوقع الأسوأ دائما. خاصة حينما تتحول مواقف الناس ومعتقداتهم التي هي في الغالب خاضعة لقاعدة " الاختلاف والتعدد "، إلى موضوع إكراه ذي طابع سياسي وعقدي، يحاول خلاله أحد الأطراف فرض " وجهة نظره " ( التي تبقى في نهاية المطاف مجرد وجهة نظر نسبية قابلة للنقاش والحوار…) وإكراه الآخرين على تبنيها بالقوة مستخدما في ذلك أدوات السلطة السياسية التي يملكها، فعندئذ يولد ما يعرف ب " الإكراه الفكري " والذي تزداد خطورته وتعقيده إذا ما كان موضوعه ذو طبيعة دينية : وهذا هو السيناريو التاريخي لنشوء " محاكم التفتيش " عبر تاريخ الإنسانية الطويل.

 

وقبل أن نبدأ في مناقشة موضوع " الإكراه المذهبي " في المغرب لا بد أولا من مناقشة موضوع الإكراه الديني بشكل عام وموقف الإسلام الحنيف منه وأيضا موقف الشرائع الكونية لحقوق الإنسان من هذا الموضوع.

 ينص القرآن الكريم بشكل واضح لا لبس فيه أو غموض أو إمكانية للتأويل، على " حرية الاعتقاد ونفي الإكراه في موضوع الدين "، وهو ما تؤكده الآية الكريمة التي هي في عمقها مبدأ أساسي من المبادئ المؤسسة للتجربة الدينية في الإسلام ( منذ إبراهيم عيه السلام إلى محمد (ص) ) : يقول تعالى  " الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنه ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم " ( البقرة 255/256 ). فالتأكيد في هذه الآية على حرية الاعتقاد ونفي الإكراه في الدين ( لا إكراه في الدين ) تأتي مباشرة بعد آية الكرسي الشهيرة والتي تستعرض عظمة الله ووحدانيته وهذه العظمة والوحدانية هي الضامن الأساسي لهذه الحرية، بما أن الله هو الذي منحها للإنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو اللغوي فهو الذي يضمنها له، يقول تعالى : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقناهم. " ( هود 118 ). وبالتالي لا يجوز لأي إنسان أن يتعرض لهذه الحرية ويحاول مصادرتها لأن ذلك يعتبر اعتداء مباشرا على سلطة الله عز وجل وعلى مقام الربوبية العظيم. وهذا النوع من الاعتداء على مقام الربوبية هو ما يسميه القرآن بمحاولة البشر تنصيب أنفسهم أربابا من دون الله والاعتداء على اختصاصات الله وحده عز وجل. ولعل من أهم هذه الاعتداءات التي يمارسها أصحاب السلط خاصة السلطتين السياسية والدينية هو الحكم على معتقدات الناس وأفكارهم ومصادرتهم لحرية الدين والمعتقد، في الوقت الذي يعلن القرآن صراحة أن هذا الموضوع ( الحكم على معتقدات الناس ) هو خاص وحكر على مقام الربوبية ولا يمكن لأي طرف آخر أيّاً كان أن يحاول التجرؤ على هذا المقام، وتنصيب نفسه ربّاً من دون الله. هذا من جهة ومن جهة أخرى يصر القرآن الكريم على مبدأ آخر أساسي في الموضوع هو مبدأ " الإرجاء " أو التأجيل أي أن هذا الاختصاص الإلهي مؤجل إلى يوم القيامة ولا يجوز لأحد أن يدعي إمكانية البث فيه في هذه الدنيا. يقول تعالى :  " قل أفغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون." ( سورة الأنعام الآية 164 ). إن هذه الآية الكريمة تختزل كل شيء في موضوع الحرية الدينية وحرية الاعتقاد الخاضعة لقاعدة الاختلاف، فالله وحده من خلال مقام الربوبية الذي لا يشاركه فيه أحد غيره ( رب السماوات والأرض ) هو الوحيد الذي له الحق في حسم الاختلاف بين الناس وهذا الحسم مؤجل إلى يوم القيامة ولا توجد إمكانية للحسم في الحياة الدنيا قبل يوم الحساب.

وهذا ما جاء الإسلام الحنيف أصلا للثورة عليه وإسقاطه إحقاقا للحق وإعلانا عن جوهره التوحيدي القائم على أساس فكرة مركزية هي " توحيد الله ( هو الله لا إله إلا هو ) وتحرير الإنسان ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ). هذه الفكرة المترابطة والتي يمكن اعتبارها جوهر الدين الإسلامي ( القرآني طبعا وليس التاريخي )، ظلت طوال التاريخ الإنساني عرضة للتحريف سواء عن طريق ضرب جزءها الأول المتعلق بوحدانية الله كما حدث في التجربتين اليهودية ( عزير ابن الله وعقيدة الشعب المختار ) والمسيحية ( عيسى ابن الله وعقيدة الثالوث ) أو من خلال القبول بالجزء الأول المتعلق بوحدانية الله مع إفراغه من مضمونه وضرب الجزء الثاني المتعلق بحري

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التعايش مع التناقض : قضية عدالة الصحابة بين كتب الحديث وكتب التاريخ

كتبها محمد الكوخي ، في 5 يونيو 2008 الساعة: 19:11 م

 

 

تعد قضية عدالة الصحابة واحدة من أكثر الأمور إشكالية في المنظومة الحديثية وأكبر مأزق منهجي وضع فيه أصحاب الحديث أنفسهم… فمنذ ظهرت مدرسة الحديث في القرن الثالث الهجري ( ما يعرف بعصر التدوين ) ممثلة في التيار الذي اهتم بجمع الحديث وتدوينه وتصنيفه، ومن ثم تأسيس ما صار يعرف بعلم مصطلح الحديث ( مع التحفظ على استخدام كلمة علم لأن من أسس المنهج العلمي ضرورة الخلو من التناقض الداخلي…) والذي أعطى لعملية التدوين تلك أسسها المنهجية. ومنذ ذلك الوقت ودائرة الصحابة تكتسي أهمية فائقة تصل إلى حد التقديس حيث الصحابة كلهم عدول وهم لا يكذبون ولا يمكن لكلامهم أن يكون موضع شك، وأفعالهم هي مصدر من مصادر التشريع في الفقه ولا يجوز مخالفتهم… باختصار لقد قام هؤلاء برفع الصحابة ( بالتعريف الفضفاض لهم والذي يقول بأن الصحابي هو كل من عاصر الرسول (ص) وأسلم حتى لو لم يلتقي به…!!) إلى مقام الأنبياء والرسل وادعوا لهم العصمة من الخطأ…

 

ويمكن فهم ذلك في سياقه التاريخي كرد فعل على ما ادعاه الشيعة من عصمة الأئمة حيث قالوا بعصمة أئمتهم من الخطأ وذلك حتى يتم قبول الروايات المنسوبة إليهم دون نقاش، فكان رد الفعل السني من خلال مدرسة الحديث هو القول ب عدالة الصحابة التي لا تعني شيئا آخر غير عصمة الصحابة وذلك لخدمة نفس الأغراض السابقة عند الشيعة وهي القبول بالروايات التي رواها الصحابة دون تمحيص أو نقد…

 

لكن المعضلة الكبيرة هي أن هؤلاء ( أصحاب الحديث ) لم يحترموا القواعد التي وضعوها في منهجهم عند تدوين الحديث، حيث قاموا بخرق قاعدة عدالة الصحابة ( كما خرقوا عددا كبيرا آخر من القواعد التي وضعوها بأنفسهم!! ) من خلال روايتهم لعدد من الأحاديث التي تنفي هذه العدالة بل أكثر من ذلك تتهم الصحابة بكونهم مرتدين و فاسقين و كفارا يضرب بعضهم أعناق بعض… وهو ما جعلهم يسقطون في تناقض داخلي : فلو كان الصحابة حقا عدولا وكلهم من أصحاب الجنة فهذا يعني أن تلك الروايات كاذبة وبالتالي فهي لم تصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم والشك فيها سيؤدي بالضرورة إلى الشك في جميع الروايات الأخرى الموجودة في كتب الحديث ما دامت وصلتنا بنفس الطريقة التي وصلت بها الأخرى… أما إذا كان العكس هو الصحيح وكانت تلك الروايات صحيحة فهذا يؤدي إلى نفي قاعدة عدالة الصحابة وبالتالي نسف أحد أهم الأسس المنهجية التي قام عليها تدوين الحديث… وهو ما سيؤدي مجددا إلى الشك في جميع الروايات المنسوبة إلى النبي الأكرم (ص) ما دامت الأسس التي قامت عليها عملية جمعها هي أسس متهافتة… باختصار إنها معضلة لا حل لها، ولا يملك أصحاب الحديث لها حلا سوى تجاهل وجودها ومحاولة التعايش مع التناقض.

 

إن جذور هذا التناقض هي جذور تاريخية ترجع أساسا إلى موقف مدرسة الحديث من كل ما حصل عقب وفاة الرسول (ص) والصراع حول السلطة من طرف أصحاب النبي (ص) وهو الذي صار صراعا مسلحا بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان و سقط فيه عشرات الآلاف من القتلى وسالت فيه دماء كثيرة… لقد كان موقف أصحاب الحديث من ذلك الصراع هو الرفض المطلق وإدانته عبر تسميته ب الفتنة الكبرى ، لكن دون إدانة أي من المتورطين فيه وهم صحابة كبار لأن ذلك سيؤدي إلى ما أشرنا إليه سابقا من نسف المنظومة الحديثية بكاملها… وهو ما أدى بهم في النهاية إلى القبول بالتناقض وغض الطرف عنه : أي بإدانة التاريخ دون المساس بصانعيه، لكنهم ومع ذلك رووا أحاديث مجردة ومفصولة عن سياقها التاريخي انتهى بها الأمر إلى إدانة عدد كبير من الصحابة بمن فيهم عدد مهم من كبارهم …

 

ولعل من أبرز من يظهر عندهم هذا التناقض هم المؤرخون من مدرسة الحديث ( من أمثال : ابن قتيبة، وابن كثير، والطبري والذهبي…) الذين كانت لهم إسهامات في ميادين مختلفة وجعلتهم روايتهم لتاريخ المسلمين يسقطون في فخ التناقض… ومن أهم هؤلاء  ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هجرية، والذي يعد كتابه الشهير الإمامة والسياسة من أقدم المصادر التي يمكن الرجوع إليها في تاريخ الإسلام وهو الذي كتبه في محاولة للرد على آراء الشيعة القائلة بالوصية ( في قضية الخلافة ) لعلي بن أبي طالب وأبنائه من بعده، وقد حاول من خلال كتابه إثبات شرعية خلافة كل من أبي بكر وعمر وعثمان… لكن ذلك جعله يروي كل ما جرى بعد وفاة النبي (ص) بما في ذلك الصراع المسلح الذي وقع بين الصحابة ( الفتنة الكبرى ) بشكل أقرب ما يكون إلى الموضوعية مما جعله واحدا من المصادر الموثوقة، كما أن ما يرويه من أحداث تاريخية يعد محل إجماع من طرف جميع المؤرخين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم…

ونحن في هذا البحث سنعتمد بشكل أساسي على كتب أصحاب الحديث كمصدر للشواهد التاريخية، وبالخصوص على ابن قتيبة ما دام هذا الأخير ينتمي إلى مدرسة الحديث  وهي نفس التيار الذي قام بجمع الحديث وتدوينه حيث كانت لابن قتيبة إسهامات مهمة في هذا المجال من خلال كتب عديدة ( أهمها غريب الحديث و   تأويل مختلف الحديث …)، وهو بذلك يقبل كل ما ذهب إليه هؤلاء في قضية عدالة الصحابة وبالتالي يصبح الاستشهاد به بمثابة شهادة من داخل المنظومة نفسها أو كما يقال شهد شاهد من أهلها … كما أن مصادره التاريخية هي نفسها تلك المصادر التي روت الأحاديث موضوع النقاش.

 

في معنى الصحابة وعدالتهم :

يقول ابن حجر العسقلاني ( وهو أحد أكبر شراح الحديث ) : وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم  مؤمنا به ، ومات على الإسلام ؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى . ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى … ويدخل في قولنا : ‘ مؤمنا به ‘ كل مكلف من الجن والإنس ؛ فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور… وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين ؛ كالبخاري ، وشيخه أحمد ابن حنبل ، ومن تبعهما… وأطلق جماعة أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي . وهو محمول على من بلغ سن التمييز ؛ إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه . نعم يصدق إن النبي صلى الله عليه وسلم رآه فيكون صحابيا من هذه الحيثية… (1).

لا نريد هنا الدخول في مناقشة مع أصحاب الحديث في معنى الصحابي ومعنى رؤية النبي وهل يمكن اعتبار الجن من الصحابة؟؟!!… لكن ما يهمنا من هذا التعريف هو كونه تعريفا فضفاضا ومتساهلا جدا في إضفاء صفة الصحابي على جموع غفيرة من الناس، فهو يدخل في دائرة الصحابة تقريبا كل من عاصر النبي (ص) من المسلمين حتى دون أن يكون قد لازمه، وهو بذلك يقدر عدد الصحابة بمئات الآلاف ممن عاصروا النبي (ص) وهم بالغون سن التمييز.

 

وننتقل مع ابن حجر إلى مسألة ثانية وهي عدالة الصحابة. يقول : اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في ‘ الكفاية ‘ فصلا نفيسا في ذلك ، فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم… في آيات كثيرة يطول ذكرها ، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ؛ وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق… وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم . هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتمد قوله… والصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا وأنه لا يدخل أحد منهم النار….

نلاحظ من قول ابن حجر تأكيده بأن مسألة عدالة الصحابة هي قضية خاصة بطائفة أهل السنة والجماعة وليست محل إجماع من طرف جميع المسلمين وأن هناك من يرفضونها وهو ينعتهم تحقيرا ب شذوذ من المبتدعة ، دون حتى أن يخبرنا من هم؟ أو ما هي حججهم في ما ذهبوا إليه؟

 لكننا عندما نمعن النظر جيدا نجد أن القضية لم تكن أبدا محل إجماع حتى داخل أهل السنة أنفسهم، فمن المشهور عن أبي حنيفة ( صاحب المذهب الحنفي ) أنه كان يرد روايات عدد من الصحابة، ويقول :  إنهم ليسوا عدولا . فقد سأله أبو يوسف : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال : ناهيك بهما. فقلت : وعلي وعثمان؟ قال : كذلك. فلما رآني أعد الصحابة قال : الصحابة كلهم عدول إلا رجالا، وعد منهم : أبا هريرة وأنس بن مالك…(2).

  

ومع ذلك فنحن سنقبل – افتراضا -  بكل ما قاله أصحاب الحديث سواء في تعريف معنى الصحابة أو في عدالتهم، وسنحاول قراءة هذه المعطيات على ضوء ما ترويه كتب الحديث وكتب التاريخ…

 

طعن النبي (ص) في عدالة الصحابة ( حديث الحوض ) :

عن ابن عباس عن النبي (ص) قال : إنكم تحشرون حفاة عراة عزلا. ثم قرأ : كما بدنا أول الخلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين. وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم. وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي، أصحابي. فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله الحكيم. ( رواه البخاري الحديث رقم 1375 ).

 

يعد هذا الحديث المروي عن النبي (ص) أكبر معضلة يواجهها القائلون بكون الصحابة كلهم عدول على الإطلاق، فهو حديث صريح في اعتبار جزء من الصحابة مرتدين عن الإسلام وداخلين في جهنم…

وعلى المستوى التاريخي فقد ظل هذا الحديث الذي ترويه المصادر السنية ولزمن طويل سلاحا قويا في يد الشيعة الذين طالما استخدموه في الطعن على الصحابة الذين وقفوا ضد علي بن أبي طالب في قضية الخلافة ( بما في ذلك الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان ).

ورغم كل المحاولات الشاقة التي قام بها شراح الحديث ومتأوليه لتخفيف وقع هذا الحديث أو لتجاوز معناه الظاهر، فقد ظل يشكل كابوسا مرعبا لهم. وكان أقصى ما استطاعوا قوله أنه لا يقصد جميع الصحابة وإنما بعضهم فقط : لو تدبروا الحديث وفهموا ألفاظه لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل منهم…, أو الإدعاء بأن المقصودين في الحديث هم المنافقون الذين كانوا يخفون كفرهم ويتظاهرون بعكسه : ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم والرقيق الدين والمرتاب والشاك وقد ارتد بعده أقوام منهم…(3).

لكن أي من هذه التأويلات لا يحل أساس المشكلة، حتى لو قلنا أن الحديث لا يقصد جميع الصحابة وإنما بعضهم فقط لما نفع ذلك في شيء، لأنه في النهاية يطعن في قاعدة الصحابة كلهم عدول بشكل مباشر… ولو قلنا بأن المقصود هم المنافقون دون غيرهم لما أمكن ذلك ما دام نص الحديث يصفهم ب : أناس من أصحابي و قوله (ص) : أصحابي، أصحابي ، فهو (ص) يقصد أصحابه وليس المنافقين ، وحتى لو افترضنا أنه (ص) لم يكن يميز بين المؤمنين الصادقين وبين المنافقين ( وهو احتمال تدعمه شواهد عديدة من القرآن…)، لانتهى بنا الأمر مجددا إلى ضرب قاعدة الصحابة كلهم عدول ما دمنا عاجزين عن تمييز الصحابة الصادقين من الصحابة المنافقين … وهو ما سيجر مشاكل أخرى لا آخر لها بما في ذلك تعريف الصحابة و المقصود بعدالتهم …

لقد كان موقف أصحاب الحديث وكما هي عادتهم هو غض الطرف عن هذا الحديث ومضامينه والتعامل معه وكأنه غير موجود أصلا، أوباختصار محاولة التعايش مع التناقض والتي يتقنونها جيدا.     

 

رفض كبار الصحابة لدعوى الصحابة كلهم عدول  : 

يروي الحاكم عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص) فكانت خمس مئة حديث فبات يتقلب. ولما أصبح قال : أي بني علي بالأحاديث التي عندك فبعثته بها فأحرقها. وقال : خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك.(4).

يروي أصحاب الحديث هذه الرواية عن أبي بكر دون أن ينتبهوا إلى خطورة مضمونها على إدعاءاتهم بشأن عدالة الصحابة، فالرواية تحمل اتهاما صريحا لمنهجهم في اعتبار الصحابة كلهم عدول ، فهذا أبو بكر ( الصديق ) يشك في رواية الصحابة عن الرسول (ص) ويعتبر أن بالإمكان أن يكون من بينهم كاذبون وملفقون يروون أكاذيب وخرافات ثم ينسبونها إلى الرسول الأكرم، وهي شهادة من صحابي كبير يصعب تجاوزها بهذه البساطة.

 

وننتقل من أبي بكر إلى صحابي كبير آخر وهو عمر بن الخطاب الذي كان واحدا من أشد معارضي رواية الحديث. فكتب الحديث تروي عن عمر أنه كان يمنع الصحابة من مغادرة المدينة خوف تفشي الحديث ( وهو ما سيحدث فعلا بعد اغتياله ) فقد بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق، عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر. فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق. قالوا: أتنهانا؟ قال: لا. أقيموا عندي. لا والله لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم. ( لاحظ قول عمر نأخذ منكم ونرد عليكم وهو اتهام ضمني بإمكانية كذبهم على رسول الله…) ( أخرجه ابن عساكر وابن إسحاق ). كما أنه كان يسجن الصحابة الذين يكثرون من رواية الحديث فقد روي أن عمر بن الخطاب سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان. وكان سجنهم لأن القوم أكثروا من الحديث عن رسول الله (ص)…(5). وأيضا تهديده لكعب الأحبار ( اليهودي ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تجريم الإساءة للمشاعر الدينية للإنسان

كتبها محمد الكوخي ، في 5 مارس 2008 الساعة: 14:32 م

تجريم الإساءة للمشاعر الدينية للإنسان

من أجل قانون دولي يجرم الإساءة للمشاعر الدينية للإنسان

 

يعيش العالم مجددا هذه الأيام على إيقاع ردود الفعل المصاحبة للقضية القديمة الجديدة والمتعلقة بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم والتي نشرتها إحدى الصحف الدانمركية وأعادت نشرها مجموعة من الصحف الأوربية. ردود الفعل هذه وإن كانت أهدأ في المرة الأخيرة ولم تتجاوز حدود التظاهر السلمي والدعوة إلى المقاطعة الاقتصادية  للدول التي نشرت الرسوم، إلا أنها مرشحة لمزيد من التصعيد كما حدث في المرة الأولى حين وصل الأمر إلى حرق السفارات والتمثيليات الدبلوماسية لعدد من الدول الأوربية ( كما حدث في سوريا ولبنان ) أو التهديد بضرب هذه الدول ومصالحها في العالم ( كانت قد هددت بذلك بعض الجماعات المسلحة في فلسطين والعراق ) أو الدعوة إلى التصفية الجسدية لكل من نشر تلك الرسوم… وفي غمرة الفعل ورد الفعل كشفت هذه القضية من جديد مدى عمق الأزمة بين العالمين الغربي والإسلامي خصوصا في نظرة كل منهما للآخر. فقد تبين على خلفية هذه الأزمة  أن المجتمع الغربي ( ممثلا في نخبه العلمانية والمتدينة على السواء ) ينظر إلى المجتمعات الإسلامية على أنها مجتمعات متخلفة تتجذر فيها النزعة الدينية الإسلامية التي تقاوم قيم الحداثة والديمقراطية والحرية ممثلة في النموذج الغربي، في حين اتضح للمسلمين مدى عداوة النخب الغربية لهم وخوفها من دينهم وقيمهم مما يجعلها تلجأ للاستهزاء من رموزهم ومقدساتهم… وفي خضم هذا النزاع ارتفعت بعض الأصوات من هنا وهناك تدعو إلى الحوار كحل أمثل للأزمة، فجاء هذا الحوار ( كما شهدته بعض المنابر الإعلامية العربية والغربية وبعض المؤتمرات الدولية لما يسمى بحوار الحضارات ) حوارا للطرشان، كل طرف يتكلم في واد والآخر في واد آخر. ففي حين تحدث الغربيون عن حرية التعبير، كان المسلمون يتحدثون عن الإساءة لدينهم ولرموزهم المقدسة. ولرفع الالتباس لا بد أولا من تعريف الإساءة للمشاعر الدينية وفصلها عن حرية التعبير.

             

تعريف الإساءة للمشاعر الدينية للإنسان

هي إساءة بمعنى أنها تستهدف إثارة المشاعر والعواطف عن طريق الاستهزاء والإهانة والسخرية غير المبررة من المقدسات والرموز الدينية للناس، ولا تستهدف محاولة فهم أو تحليل أو مناقشة مواضيع دينية محددة. ولذلك فهذا النوع من الإساءة يخاطب مشاعر المؤمنين وعواطفهم وليس عقولهم. ولكن لا يجب الخلط بينها وبين حوار الأديان ( أو صراعها في أسوء الأحوال ) لأن النقاش وحتى الصراع الفكري هو من صميم الأديان نفسها والتي هي عبارة عن منظومات فكرية وثقافية تدعي أنها تملك الحقيقة وتجسدها. ومنه فاحتكاكها ببعضها أمر طبيعي… لكن ما ليس طبيعيا هو أن يتم تحويل هذا الصراع إلى إساءات صبيانية غرضها السخرية من الآخر ومحاولة التصغير من شأنه لمجرد أنه آخر. وبالتالي فهي تنقل مستوى النقاش بين الأديان والثقافات المختلفة إلى مستوى آخر هو مستوى الانفعالات النفسية التي تهدف بالأساس إلى الانتقام من الآخر عن طريق السخرية منه وإغاظته، مما يعطي للمسيء انطباعا نفسيا بالانتصار وشعور بالراحة من رؤية الآخر ( الخصم / العدو ) في حالة اهتياج نفسي… هذا الاهتياج يؤدي بدوره إلى تحويل الاختلاف الفكري والعقدي – والذي هو شيء إيجابي لأنه يدفع بالأفكار ويطورها عن طريق تعريضها للنقد ومقارنتها بأفكار أخرى – إلى عنف رمزي متجسد في السخرية، سرعان ما يتحول هو الآخر إلى عنف مادي يتمثل في الأعمال العدوانية التي تستهدف الآخر.

إن هذه العملية تشبه في صيرورتها إلى حد كبير ما وصفه العالم الفيزيولوجي الروسي إيفان بافلوف ( 1849/1936 ) خلال دراسته للتهييج والاستجابة المرافقة له في تجربته الشهيرة على الحيوانات حيث تؤدي الإثارة البصرية إلى استجابة الحيوان وقيامه برد فعل جسدي… فالإساءة أو كل ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مأساة العقل في الإسلام ( 4 ) : ابن حزم الأندلسي

كتبها محمد الكوخي ، في 26 أكتوبر 2007 الساعة: 18:17 م

مأساة العقل في الإسلام ( 4 )

ابن حزم الأندلسي

 

 

" دعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر, فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر… وإني لأجد هذا في أصل تركيبتي ولا تؤاتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة. وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله… دعني أخبرك أنني أحد من دهي بهذه الفادحة ( يعني الموت ) وتعجلت له هذه المصيبة, ذلك أني كنت أشد الناس كلفا وأعظمهم حبا بجارية لي كانت فيما خلا اسمها نُعْم. وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خَلقا وخُلقا, وموافقة لي… وكنا قد تكافئنا المودة ففجعتني بها الأقدار… وصارت ثالثة التراب والأحجار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة وكانت هي دوني في السن. فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني… فوالله ما سلوت حتى الآن, ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا. وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكراها ولا أنست بسواها. ولقد عفا حبي لها على كل ما قبله ولا وحرم ما بعده. ومما قلت فيها… (1)".

هذا الكلام قل أن نجد له نظيرا في التراث العربي والإسلامي من حيث جرأة صاحبه على تعرية ذاته في موضوع حساس وشخصي كهذا المرتبط بشؤونه العاطفية الخاصة, والتي يحرص الجميع على أن تكون أسرارا خاصة… وربما يحق لنا أن نندهش أكثر إذا ما علمنا أن هذا الكلام صادر عن فقيه كبير يمثل مدرسة فقهية مهمة في التراث الإسلامي…

إنه ابن حزم الأندلسي ( 385 / 456 هجرية, موافق 992 / 1063م ) والكتاب الذي وردت فيه تلك الاعترافات هو كتاب " طوق الحمامة " الذي يعد أول دراسة نفسية تحليلية لعاطفة الحب بشتى أنواعها ومراحلها ودرجاتها, وقد ترجم إلى عدة لغات كالإنجليزية و الفرنسية والإسبانية والروسية… هذا الكتاب كما يقول ابن حزم في مقدمته " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة…" وقد ألفه سنة 410 هجرية, أيام شبابه, فهو يصور الحياة المرحة والسعيدة التي قضاها في قرطبة أيام صباه…

ينحدر ابن حزم واسمه الكامل علي بن أحمد بن سعيد, من أسرة إسبانية الأصل ( رغم أن العرب يجادلون بانتمائه إليهم ), وكان أبوه أحمد وزيرا للمنصور ابن أبي عامر, ولهذا عاش الفترة الأولى من حياته عيشة سعيدة مرحة في قصور الخلافة الأموية في الأندلس , وقد أثرت هذه الحياة المترفة في تنمية وجدانه وأحاسيسه, كما أثرت فيه نشأته وسط النساء خصوصا وأن والده توفي وهو صغير لتتولى تربيته أمه وعماته. وحينما سقطت الخلافة الأموية بقرطبة نفي ابن حزم إلى مدينة ألمرية ثم إلى مدينة شاطبة في شرق الأندلس, وهناك أخذ يدبر المؤامرات لإعادة الخلافة الأموية المنهارة, ونجح في إيصال صديقه الحميم عبد الرحمان الخامس الملقب بالمستظهر إلى عرش الخلافة الأموية, وصار ابن حزم رئيس وزرائه… إلا أن الخليفة الجديد ما لبث أن اغتيل بعد شهرين من توليته سنة 1024 م. وقد أثرت هذه الأحداث في نفسية ابن حزم تأثيرا بالغا, فقرر اعتزال السياسة و صار مثل معاصره ابن حيان حاد الطباع والمزاج, سليط اللسان حتى شبه لسانه بسيف الحجاج. ويتجلى ذلك بوضوح في أسلوبه وبالخصوص في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل…

كان ابن حزم أديبا ومؤرخا وفقيها ومفكرا كبيرا, ولهذا جاءت كتبه خليطا من هذا كله تنم عن عقلية موسوعية قل نظيرها. مما جعله موضع مديح الكثيرين من فلاسفة المسلمين أمثال الغزالي وابن طفيل وابن رشد ومحيي الدين بن عربي… رغم أن كتبه لم تكتسب شهرة إلا بعد وفاته, خصوصا بعد صعود دولة الموحدين في المغرب, ولهذا قال :

أنا الشمس في جو العلوم منيرة  ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

وقد اعتنق ابن حزم المذهب الظاهري الذي نشأ في المشرق على يد داوود بن علي الأصبهاني ( 202 / 270 هجرية ) ويرمي إلى التمسك بظاهر القرآن أي بمعناه اللفظي. وطاف ابن حزم بدول الطوائف مدافعا عن مذهبه, فاصطدم بفقهاء المالكية الذين تعاونوا مع ملوك الطوائف وكونوا دكتاتورية مالكية في الأندلس. وكانت النتيجة أن اصطدم بهم ابن حزم وهاجمهم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مأساة العقل في الإسلام ( 3 )

كتبها محمد الكوخي ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 17:12 م

غيلان الدمشقي

(مؤسس الفكر الديمقراطي في التاريخ الإسلامي)

 

محمد الكوخي, أيت ملول أكادير المغرب

 

يا سلم الأنغام أيّة رغبة هي في قرارك
سيزيف يرفعها فتسقط للحضيض مع انهيارك
يا سلم الدم و الزمان من المياه إلى السماء
غيلان يصعد فيه نحوي من تراب أبي و جدي
و يداه تلتمسان ثم يدي و تحتضنان خدّي
فأرى ابتدائي في انتهائي…           
 (قصيدة : مرحى غيلان,
ديوان أنشودة المطر, لبدر شاكر السياب)

 

يمر العالم العربي والإسلامي هذه الأيام بواحدة من أصعب المراحل التاريخية التي مر منها, حيث يعيش في حالة من التيه والفوضى وعدم الاستقرار وانعدام الرؤيا الواضحة والتخطيط للمستقبل… وهي نتيجة عدة عوامل أبرزها الاستبداد السياسي والحرب الأهلية الداخلية التي مازالت مشتعلة منذ مقتل عثمان بن عفان (ض) إلى اليوم, زد على ذلك الأطماع الخارجية والحروب المتتالية التي لا تتوقف… باختصار إنها حالة من الانحطاط الشامل.

 ومن يحاول تقصي جذور هذه الوضعية يجد أنها جاءت نتيجة تراكم المشاكل والإخفاقات المتتالية على جميع الأصعدة, وعلى رأسها الإخفاقات الفكرية و خصوصا في الفكر السياسي حيث لم تنتج المدارس الإسلامية باختلاف انتماءاتها, إلا الاستبداد السياسي سواء تحت  اسم صاحب الشوكة (عند السنة) أو الإمام المعصوم (عند الشيعة) أو الإرهاب السياسي(عند الخوارج)… لكن هذا لا يعني أن الفكر السياسي عند المسلمين لم يستطع إنتاج بديل آخر غير الاستبداد أو الفوضى ( وهي المقابلة الشهيرة بين المفهومين والتي ظلت جاثمة على العقل المسلم إلى الآن, رغم أن كلاهما من طبيعة واحدة…), ففي خضم الحرب الأهلية التي أعقبت الصراع الدموي على الخلافة وانقسام المسلمين إلى طوائف وأحزاب مختلفة كل واحدة تدعي أحقيتها في الوصول إلى السلطة, مستخدمة في سبيل ذلك كل الوسائل الممكنة… فالأمويون روجوا لأيديولوجيا القضاء والقدر والإرادة الإلهية, في حين تبنى الشيعة مفاهيم الوصية والعصمة, أما الخوارج فقد ظلوا أوفياء لأيديولوجيا التكفير والإرهاب السياسي… وفي ظل هذه الحالة المجنونة والدموية (الحرب الأهلية الشاملة) ظهر تيار آخر مختلف جدا عن بقية الطوائف الأخرى, تيار حمل لواء العقل والحرية والعدالة… إنها حركة التنوير في الفكر الإسلامي, والتي يسميها مؤرخو الفرق الأشاعرة, بالقدرية الأوائل والمرجئة و المعتزلة…

و من أوائل هؤلاء وأبرزهم غيلان الدمشقي ( قتل سنة 125 هجرية), الذي يمكن اعتباره الأب الحقيقي لحركة التنوير وواحدا من أهم منظري الفكر السياسي في التاريخ الإسلامي, إن لم نقل بأنه أهمهم جميعا مادام هو الذي أسس للفكر الديمقراطي ودافع عنه ودفع حياته ثمنا لذلك. يروي البغدادي أن الحسن بن محمد بن الحنفية كان يقول عن غيلان بأنه " حجة الله على أهل الشام ولكن الفتى مقتول… (1) " وهي شهادة من إسلامي كبير تشهد لغيلان بمكانته الدينية الكبيرة وتتنبأ بمصيره… أما الذهبي فيقول عنه " غيلان بن غيلان المقتول في القدر. ضال مسكين… (2)"  فمؤرخو الفرق يضعون غيلان الدمشقي ضمن فرقة يسمونها القدرية ( معبد الجهني وغيلان الدمشقي وعمر المقصوص والجعد بن درهم…) وهم الذين دافعوا عن حرية الإنسان وعن العدالة رافضين بذلك أيديولوجيا القدر التي روج لها الأمويون لتبرير استيلائهم على السلطة… وقد ظل الأمويون يبطشون بهؤلاء منذ معبد الجهني ( قتل سنة 80 هجرية ) وغيلان الدمشقي,  بطشا شديدا ويسمونهم " القدرية "  وهي التسمية التي انتقلت إلى القاموس الفكري لأهل الحديث الذين لم يجدوا صعوبة في العثور على أحاديث ( أو بالأحرى اختلاقها ) يروونها عن الرسول (ص) في ذم القدرية (هكذا بهذا الاسم المستحدث) وتكفيرهم ووصفهم بأنهم " مجوس هذه الأمة ".

كان غيلان يقود المعارضة ضد الأمويين في الشام, وكان ينتقد الدولة الأموية وسياساتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية, فضلا عن عقيدتها الجبرية المعادية للحرية, والتي كانت تتأسس عليها شرعيتها. لذلك كان غيلان من أشد المدافعين عن حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله( وهو ما كان الأمويون ومعهم أصحاب الحديث يحاولون التهرب منه), وهو ما جعله يتبنى وجهة نظر ديمقراطية في قضية الحكم, ففي الوقت الذي كان فيه الجميع يشترطون " القرشية "  للحكم, كان غيلان يرفضها فهي عنده ليست شرطا للإمامة. " بل تصلح لغير قريش. وكل من كان قائما بكتاب الله والسنة كان مستحقا لها. وهي لا تثبت إلا بإجماع الأمة (3)" . إننا هنا أمام بوادر الفكر الديمقراطي فغيلان يرفض احتكار السلطة من طرف فئة واحدة ( قريش ), كما أنه يجعل الشعب مصدر السلطة ( وهو أساس فكرة الديمقراطية ) مشترطا إجماع الناس واختيارهم الحر لتولي الحاكم, كما أنه يعتبره تعاقدا على أساس الكتاب والسنة وبالتالي يجوز للناس خلع الحاكم حينما يخل ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العلمانية : وجهة نظر مغايرة

كتبها محمد الكوخي ، في 16 يوليو 2007 الساعة: 19:31 م

العلمانية : وجهة نظر مغايرة

 

محمد الكوخي, أيت ملول أكادير المغرب

 

يكفي إثارة موضوع العلمانية في العالم العربي والإسلامي لإثارة نقاش حاد بين أنصار هذا المفهوم وخصومه. فمنذ أن ظهرت العلمانية في بلادنا, أوائل القرن الماضي والتي اقترن مجيئها بمجيء الاستعمار الأوروبي, حتى انقسم المثقفون إلى قسمين متعارضين, أحدهما يدافع عنها إلى حد اعتبارها تمثل الحل الأمثل وربما الوحيد لمشاكلنا السياسية, وهم النخب الحداثية, في حين يرفضها الطرف الآخر جملة وتفصيلا ويرى فيها مشروعا غربيا هدفه إسقاط الشريعة الإسلامية, وهم النخب الإسلامية من أنصار الدولة الدينية…

تعريف العلمانية

تتمحور العلمانية حول فكرة أساسية وهي " فصل الدين عن الدولة ", بمعنى فصل السلطتين الدينية والسياسية عن بعضهما البعض وتحديد مجال كل واحدة منهما بحيث لا تتدخل أية سلطة في شؤون الأخرى… وهدفها الرئيسي هو التفريق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي بحيث لا يكون للدولة أية سلطة دينية ولا يكون لرجال الدين أية سلطة سياسية. ويؤكد أنصار العلمانية أنها لا تلغي الدين أو الممارسة الدينية, بل تخرج السياسة والتنظيم الاجتماعي من حيز الممارسة الدينية, كما تخرج الممارسة الدينية من الحيز السياسي و الاجتماعي كي تعيدها إلى إطارها الوحيد في الحيز الشخصي…

يتضح من هذا التعريف أن أصحابه يعترفون بوجود حيزين منفصلين, الحيز الشخصي والحيز الاجتماعي, أو بالأحرى وجود عالمين منفصلين هما عالم الروح ( الأخلاق ) وعالم الجسد ( المصالح ), وهما عالمان متصارعان يحاول كل واحد الهيمنة على الآخر, لذلك كان من الأفضل الفصل بينهما كحل أمثل لهذا الصراع الأبدي بينهما…

 وحتى نفهم الموضوع جيدا لا بد من فهم الظروف التاريخية التي أنتجت هذا المفهوم في الغرب, في إطار تناقضات التجربة الدينية المسيحية وتأثيراتها في الفكر السياسي الأوروبي.

الجذور الغربية للمفهوم والمعضلة المسيحية

لا بد أولا من القول بأننا نؤيد هنا الفكرة القائلة بأن الفكر الغربي مسكون بهاجس أبدي, اسمه المسيحية, والتي لعبت أفكارها وتناقضاتها دورا كبيرا في تشكيل هذا الفكر وصياغته… وبالتالي فالمسيحية كانت موجودة باستمرار في الوعي الغربي وأثرت فيه, إن بشكل إيجابي أو سلبي. وتعود هذه الفكرة إلى الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه, الذي كان أول من صاغها وطبقها في تحليله للتراث الفكري الغربي. ونحن نستعيرها منه هنا لتطبيقها على مفهوم العلمانية في دراستنا له.

من المعروف أن قيام الحداثة السياسية في أوروبا جاء نتيجة الصراع الذي احتدم فيها بين الأمير والكنيسة ( السلطتين الدينية والسياسية ) وبين الأمير و القوى الاجتماعية الأخرى ( البورجوازية الصاعدة )… لقد ولدت فكرة العلمانية في ظل المناخ السياسي الأوروبي الذي كان يعرف وجود مؤسستين منفصلتين ومستقلتين نشأتا في ظروف مختلفة هما الكنيسة المسيحية والدولة الرومانية, ثم اتحادهما بعد اعتراف الإمبراطور قسطنطين ( 305 / 337م) بالمسيحية وتبنيها دينا رسميا من طرف ثيودوسيوس سنة 391م. لكن كل طرف بقي مستقلا ولو معنويا عن الآخر, رغم أن الإمبراطور البيزنطي صار منذ أن تنصرت الإمبراطورية هو رأس الكنيسة الشرقية وصارت الكنيسة جزءا لا يتجزأ من الدولة. وكان البطريرك البيزنطي يدين بالولاء للإمبراطور, فهو الذي يقوم بتعيينه وبوسعه خلعه من منصبه…(1). أما في الجزء الغربي الطرفين ظلا منفصلين خصوصا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وتنصر شعوب أوروبا.

لقد بدأت الكنيسة كتراتبية دينية مع الصدام الأول مع الثقافة اليونانية وبسببها. فبعد أن ظهر التنافس بين المسيحيين اليونان على إظهار المواهب الروحية والمعجزات, صاغ بولس مراتبية الوجاهة والكرامات الدينية فجعل أهمها وأولها كرامة الرسول, وبعد ذلك كرامة النبي, ثم كرامة علماء الدين والفقهاء…(2). ومنه نشأت الكنيسة من تضافر فكر المسيح والفكر اليوناني في عقل بولس وما سوف يتولد عنه من بناء للجماعة المسيحية الأرضية أي للكنيسة كجامعة لها بانتظار قدوم ملكوت السماء ( يوم القيامة كما يسميه المسلمون ). فمن الاعتقاد القائل بأن القيامة قد تأخرت ويمكن أن تتأخر أكثر من أجل إتاحة الفرصة لنشر المسيحية, ولدت فكرة الكنيسة كإطار زمني لتنظيم الجماعة المسيحية بانتظار اليوم الموعود, وسوف تتحول أكثر من ذلك إلى دولة وسلطة, أي أداة فاعلة لنشر المسيحية ومن تم تقريب أجل الخلاص (3). وقد نشأت الكنيسة من الجماعات المحلية المسيحية والتي اتسعت جغرافيا بعد انتشار المسيحية من خلال المدن- الدول القائمة في الإمبراطورية الرومانية, وتحولت إلى بطريركيات كهنوتية مسيحية اعترفت فيما بعد لبطريرك روما ( البابا ) بأنه الأول بين أقرانه لتتشكل بذلك الكنيسة الكاثوليكية (4).

وأدى ظهور الكنيسة إثر السجالات اللاهوتية, بوصفها الجهة الوحيدة التي تحتكر الفهم الصحيح للدين, إلى ظهور سلطة دينية لها حق مقدس. وبهذا ظهر نوع من الازدواجية في السلطة, فإلى جوار السلطة السياسية الموروثة للقياصرة و الملوك ظهرت سلطة البابا, ممثل السلطة الدينية وسرعان ما أعلن باباوات العصر الوسيط أنهم يحكمون على الجميع ولا يمكن أن يحكمهم أحد (5). وبما أن ذلك أدى إلى الاصطدام بين السلطتين, فقد ظهرت الحاجة إلى اتفاق يقتسم فيه البابا والإمبراطور السلطات دونما تقاطع بينهما. وبذلك أصبح الإنسان موضوعا لممارسة السلطات, سلطة مسئولة عن " الجسد " ( السلطة السياسية ) وأخرى مسئولة عن " الروح " ( السلطة الدينية ). وهو تقسيم قديم يقوم على أساس التقسيم الثنائي للروح والجسد, وهي فكرة قديمة كانت معروفة في الأديان الشرقية القديمة ودخلت إلى الفلسفة اليونانية ( خصوصا عند أفلاطون ) وق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بيان ضد أيديولوجيا التكفير

كتبها محمد الكوخي ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 14:55 م

معنى " الإرجاء "

أصل مبدأ التسامح في الإسلام

 

" فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر… سورة الغاشية الآية 21 ".

 

 يبدو أن ظاهرة العنف أصبحت وباء منتشرا في جميع أنحاء العالم, ولا يكاد يخلو مجتمع إنساني منه… ولعل نصيب المجتمعات الإسلامية من هذا العنف نصيب واف جدا, فلا تكاد تجد فيها مجتمعا سالما من العنف سواء داخليا ( عنف الدولة, الحروب الأهلية…) أو خارجيا ( الاستعمار الأجنبي, النزعات الإقليمية…). وحتى من يطلع على تاريخ المسلمين يجد أنه كان تاريخ حرب دائمة ما تزال رحاها دائرة إلى اليوم, وأخطر ما في تلك الحرب أنها كانت داخلية بين المسلمين أنفسهم ( سنة, شيعة, خوارج…) وأن ضحيتها الأولى والأخيرة كان هو المجتمع الإسلامي نفسه, وأن نتائجها كانت كارثية على جميع الأصعدة, السياسية, الاقتصادية, الاجتماعية, وحتى العلمية… وما زاد الطين بلة هو ظهور الحركات السلفية المتطرفة ( وكأنه لم يكن ينقصنا إلا هي لتكتمل المصيبة الكبرى…), والتي أعادت إحياء " أيديولوجيا التكفير" الإرهابية التي روج لها الخوارج في التاريخ الإسلامي, واستخدموها كغطاء لتبرير جرائمهم البشعة, ضاربين بذلك واحدا من أهم المبادئ التي جاء بها الإسلام ألا وهو فكرة " الإرجاء ", والتي تعني أن الحكم النهائي على أفكار الناس ومواقفهم ومعتقداتهم من اختصاص الله وحده, ولا يجوز للبشر أن يسطو على هذا الحق الإلهي وينصبوا أنفسهم آلهة يحكمون على الناس بالكفر أو الإيمان, كما أن الله قد أرجأ الحكم النهائي إلى يوم القيامة, وبالتالي يصبح أي حكم على معتقدات الناس في الدنيا من قبيل إصدار الأحكام قبل أن تبدأ المحاكمة, ويكشف عن إرادة تجريم البشر, تمهيدا لتصفيتهم ماديا ومعنويا… إن الانتصار لمبدأ الإرجاء يعني الانتصار لقيم التسامح و التعايش والسلام بين مكونات المجتمع الواحد ثم بين الناس جميعا…

 

الأصل القرآني لفكرة " الإرجاء "

قال تعالى:

- " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى  ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة في ما كانوا فيه يختلفون." سورة البقرة الآيات 111 إلى 113.

- " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم في ما كنتم فيه تختلفون. " سورة آل عمران الآية 55.

- " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه قنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين." سورة آل عمران الآيات 75 و76.

- " الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا." سورة النساء الآية 141.

- " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون." سورة المائدة الآية 48.

- " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون." سورة الأنعام الآية 159.

- " قل أفغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون." سورة الأنعام الآية 164.

- " وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا والله خير الحاكمين." سورة الأعراف الآية 87.

- " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم في ما كانوا فيه يختلفون." سورة يونس الآية 19.

- " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون." سورة يونس الآية 93.

- " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين." سورة يونس الآية 99.

- " قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين." سورة يونس الآية 109.

- " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ولبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يظل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون." سورة النحل الآيات 92 و 93.

- " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر." سورة الكهف الآية 29.

- " لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون." سورة الحج الآيات 67 إلى 69.

- " ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شهادة لله وللتاريخ

كتبها محمد الكوخي ، في 30 يونيو 2007 الساعة: 21:15 م

الفتح الإسلامي أم الغزو العربي

في دفاع عن مبادئ الإسلام وقيمه (الحرية والعدالة والمساواة… والنزاهة.)

 

محمد الكوخي, أيت ملول أكادير المغرب

 

 

يحكى أنه أوتي للإسكندر الأكبر بأحد لصوص البحر ليحاكمه, فسأله الإسكندر: لماذا تسرق السفن؟ فأجابه القرصان: أنا أسرق بسفينة واحدة وأسمى لصا, وأنت تسرق بلدانا بأكملها بواسطة أساطيل ضخمة…  ويسمونك فاتحا!!! 

 

يعد موضوع الفتوحات الإسلامية واحدا من المواضيع التي أسالت مدادا كثيرا, وتم التطرق له بمنتهى الإسهاب حيث قام المؤرخون القدماء الذين كتبوا عن تاريخ الإسلام, بوصف دقيق لمراحل هذه الفتوحات وللنتائج التي ترتبت عنها وغيرت تاريخ المناطق المفتوحة وللأبد… لكن ما يهمنا من عملية التوسع الضخمة هذه والتي امتدت في ثلاث قارات وفي فترة وجيزة جدا, أنها تمت تحت راية الإسلام وبدافع نشر العقيدة الإسلامية وتحرير الناس من أغلالهم وباختصار ملئ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا… هذا ما يحلوا للمسلمين أن يدعوه لأنفسهم, لكن القارئ المتمعن للمصادر التاريخية يصدم عندما يكتشف أن الحقيقة عكس ذلك جملة وتفصيلا, سواء في الأسباب الحقيقية لهذه العمليات التي اتخذت طابعا عسكريا, أو في  النتائج التي أدت إليها… وهو ما ينعكس سلبا على تصورنا لهذه العمليات العسكرية والتي يصطلح عليها بالفتح الإسلامي.  وحينما نتساءل عن دلالات مصطلح الفتح نجده غامضا, حيث يبدو من شبه المستحيل التفريق بينه وبين الغزو المسلح,  ف التعاريف المتداولة لمعنى الفتح تجعل منه مرادفا للحرب ذات الأغراض الدينية والتي تهدف إلى نشر الدين وتعاليمه… أما الغزو  فهو عبارة عن هجوم مسلح ضد بلد أجنبي يهدف إلى استعمار هذا البلد واستنزاف خيراته واستغلال شعبه… باختصار إنه الاستعمار بكل معانيه. والمسلمون يسمون التوسع الذي قادته القبائل العربية ابتداء من القرن الأول هجري    بالفتح الإسلامي, لأن أهدافه كانت دينية ( نشر الإسلام…), لكننا نندهش عندما نجدهم يرفضون تسمية الحروب الصليبية  بالفتح المسيحي رغم أن أهدافها هي الأخرى كانت دينية ( رغم وجود أهداف أخرى سياسية واقتصادية… كانت السبب الحقيقي لتلك الحروب. ), فالأوروبيون قادوا تلك الحروب لتحرير مناطقهم المقدسة ( القدس وبيت لحم…) من أيدي المسلمين الذين يعتبرونه كفارا…  أم أن الموضوع يدخل ضمن خانة حلال علينا حرام عليكم. وهذا النقص في النزاهة نجده عند غربيين أيضا والذين يسمون غزو أمريكا وإبادة سكانها بالفتح, والذي تم بمباركة الكنيسة المسيحية وتحت راية نشر الديانة المسيحية, رغم أن الجميع يعرف أن الأسباب الحقيقية كانت هي البحث عن الذهب, ويعرف الطريقة البشعة التي عامل بها المسيحيون سكان أمريكا الأصليين… ولعل نقص النزاهة هذا هو ما كان يقصده القرآن بقوله: " وكل قوم بما لديهم فرحون… "   

وحتى نكون قادرين على الحكم على هذا الموضوع بنزاهة, لا بد من قراءة المصادر التاريخية بموضوعية وبعيدا عن العواطف وإملاءاتها, ولابد من البحث عن الأسباب الحقيقية لهذا التوسع و عن الممارسات التي قام بها الفاتحون المسلمون ( الغزاة العرب؟) والطريقة التي عاملوا بها سكان تلك المناطق… وفي هذا الصدد يحكي ابن الأثير بعض ممارسات الفاتحين العرب, عندما حاول تفسير سبب ظهور ثورات الخوارج في شمال إفريقيا ( والتي أدت في النهاية إلى تأسيس إمارات مستقلة عن الحكم الأموي من بينها إمارة بني مدرار في سجلماسة والرستميين في تاهرت…), يقول: " ثم لم يزل أهل افريقية من أطوع أهل البلدان وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك ( الخليفة الأموي السادس) حتى دب إليهم أهل العراق واستثاروهم فشقوا العصا, وفرقوا بينهم إلى اليوم, وكانوا يقولون لا نخالف الأئمة بما تجني العمال فقالوا لهم إنما يعمل هؤلاء بأمر أولائك, فقالوا حتى نخبرهم. فخرج ميسرة ( زعيم الخوارج بمنطقة طنجة ) في بضعة وعشرين رجلا فقدموا على هشام, فلم يؤذن لهم فدخلوا على الأبرش, فقالوا أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده ( العرب), فإذا غنمنا نفلهم ويقول هذا أخلص لجهادنا. وإذا حاصرنا مدينة قدمنا وأخرهم ويقول هذا ازدياد في الأجر, ومثلنا كفى إخوانه. ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد, فاحتملنا ذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا, فقلنا لم نجد ذلك في كتاب ولا سنة ونحن قوم مسلمون. فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا؟ فطال عليهم المقام, ونفذت نفقاتهم. فكتبوا أسماءهم ودفعوها إلى وزراءه وقالوا إن سأل أمير المؤمنين عنا فأخبروه. ثم رجعوا إلى افريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه, واستولوا على افريقية. وبلغ الخبر هشاما فسأل عن النفر, فعرف أسماءهم فإذا هم الذين صنعوا ذلك…(1)". إن ابن الأثير الذي أثبت هذا النص في معرض كلامه عن ثورة الخوارج بشمال إفريقيا سنة 122هجرية, حاول شرح أسباب هذه الثورة والتي تتجلى في الممارسات الشنيعة التي كان الغزاة العرب يقومون بها ضد سكان شمال إفريقيا الذين كانوا مسلمين, ومنها ما يندى له الجبين كأخذ الفتيات الجميلات جواري عند الخليفة وولاته, والقضاء على مواردهم الاقتصادية, واستخدامهم جنودا بدون مقابل… إنه  باختصار نظام السخرة الذي كان الغزاة طوال التاريخ الإنساني الطويل يفرضونه على الشعوب المستعمرة, والمسلمون للأسف الشديد لم يكونوا استثناء من هذا التاريخ, مهما حاولنا أن نجمل صورة هذا الغزو بمسميات كالفتح الإسلامي ونشر الدين والدعوة إلى الله…( فهل كانت الدعوة إلى الله تتم بأخذ الفتيات الجميلات سبايا إلى قصور الخليفة ووزراءه ؟؟؟؟).

هذه الممارسات لم تقتصر على شمال إفريقيا فقط, فقد عرفتها جميع البلدان " المفتوحة!!", ومن أمثلة ذلك ما عرفته بلاد  مصر من ممارسات للغزاة العرب والذين كانت أغراضهم الحقيقية هي الغنائم وليس دين الله, فالمقريزي يقول: " أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر إن من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه قتلته, وإنّ قبطيًا من أرض الصعيد يقال له بطرس ذكر لعمرو أن عنده كنزا فأرسل إليه فسأله فأنكر وجحد فحبسه في السجن وعمرو يسأل عنه,‏ هل تسمعونه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مأساة العقل في الإسلام (2) : ابراهيم النظام

كتبها محمد الكوخي ، في 17 يونيو 2007 الساعة: 02:33 ص

مأساة العقل في الإسلام (2)

إبراهيم النظام

محمد الكوخي, أيت ملول أكادير المغرب

 يا واهب مملكة العقل…

 مملكتي مأساتي !  ( أحمد مطر, قصيدة انهيار المملكة, لافتات 3)

  منذ أيام انفجرت سيارة مفخخة في سوق البصرة مخلفة عشرات القتلى والمصابين … مشهد مؤلم ( رغم أنه صار اعتياديا…) يدل على مدى ما وصلنا إليه من تخلف وانحطاط, خصوصا إذا ما عرفنا تاريخ ذلك السوق الشهير في البصرة حيث كان في الماضي عبارة عن تجمع كبير, ليس فقط للبضائع والسلع وإنما أيضا للناس من جميع الأديان والمذاهب, وللأفكار وأنماط العيش المختلفة… باختصار كان نقطة تلاقح للحضارات ونموذجا رائعا للتعايش الإنساني… وهو السوق نفسه الذي عرف المناقشة الشهيرة بين مفكرين كبيرين من أقطاب المعتزلة في القرن الثالث الهجري ( الثامن ميلادي ), حول فكرة الذرات أو ما كان يعرف في التراث الإسلامي ب" الجوهر الفرد" أو " الجزء الذي لا يتجزأ" , وقد كانت هذه المناقشة هي البداية الأولى لنقاش طويل بين المدارس الكلامية والفلسفية حول موضوع فكري وعلمي يمكن أن نعتبره بمثابة الإرهاصات الأولى للفيزياء النووية والذرية الحديثة… هذان المفكران هما أبو الهذيل العلاف ( 135-227 هجرية/ 751-842 م ) وابن أخته إبراهيم بن سيار النظام ( 185-221 هجرية/ 799-853 م ),( يقال أنه لقب بالنظام لأنه كان يشتغل بنظم الخرز في سوق البصرة…(1)), حيث قال العلاف بأن المادة تتكون في وحدتها الصغرى من " الجزء الذي لا يتجزأ " ( ما نسميه اليوم بالذرة ) وأن الجسم يقف عند نهاية في التجزئة, في حين ذهب النظام إلى إنكار " الجزء الذي لا يتجزأ " وقال بأن الجسم يتكون من أجزاء غير متناهية صغارا لا تنقسم أصلا وأنه يتجزأ بلا نهاية … فكان بذلك من منكري الجوهر الفرد, إذا لم نقل بأنه الوحيد برفقة تلميذيه الجاحظ و الخياط والمفكر الأندلسي الكبير ابن حزم (2), الذين أنكروا الجوهر الفرد عبر التاريخ الإسلامي الطويل. و كشهادة للتاريخ لا بد من القول بأن علم الفيزياء الحديث يؤكد صحة ما ذهب إليه النظام ومن وافقوه في قضية الذرات, فقد أمكن تقسيمها إلى وحدات أصغر هي الإلكترونات و البروتونات والنوترونات, وهي الأخرى قد أكمن تقسيمها إلى وحدات أصغر وهي الكواركات… ويتم الحديث مؤخرا عن وجود وحدات أصغر للمادة تتكون منها هذه الكواركات, ويحاول علماء الفيزياء القيام بفصلها تجريبيا رغم وجود صعوبات كثيرة في ذلك… ما يهمنا في تلك المناظرة الشهيرة بين النظام وخاله العلاف هو كونها أول مرة يتم فيها مناقشة موضوع الذرات في التاريخ الإسلامي, كما أنها كانت أول مرة تستخدم فيها أدلة تجريبية في نقاش علمي وقد كان ذلك بمثابة تدشين لحركة علمية تنويرية, كان للمفكرين المعتزلة دور الريادة في نشوئها وتطورها, قبل أن يتم سحقها بالقوة من طرف الخليفة العباسي المتوكل ( ناصر السنة!!!) بمباركة حلفائه من الفقهاء والمحدثين أنصار مدرسة الحديث السلفية, العدو اللدود لمدرسة الرأي حاملة لواء العلم والتنوير… سنة 234 هجرية بعد أن أصدر مرسومه الإرهابي, الذائع الصيت والسيئ السمعة, بمنع التفكير والنقاش… وقد كان للنظام دور كبير في نشوء هذه الحركة العلمية وتطورها بالرغم من أنه لم يعمر طويلا فقد توفي مبكرا وهو شاب لا يتجاوز عموه 36 سنة, وكان فقيرا يعيش على ما تصنعه يداه  وينفق جله في اقتناء الكتب, ولنا أن نندهش إذا ما علمنا أنه خلف تراثا ضخما من الكتب يعدها المؤرخون بالعشرات ( أزيد من 90 كتابا حسب رواية الجاحظ ) ضاعت كلها إبان حملة القمع والحصار التي نفذها المتوكل العباسي وخلفاؤه من بعده ضد كتب المعتزلة… وكانت له نظريات كثيرة في ميادين مختلفة علمية وفكرية ودينية… فهو كان بحق مفكرا موسوعيا كبيرا. فالشهرستاني يصف النظام بأنه  " طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة. وأنه انفرد عن أصحابه ( المعتزلة ) بكلام…(2) " . أما ابن المرتضى فيصفه بأنه " حفظ القرآن و الإنجيل والتوراة والمزامير وتفاسيرها مع كثرة حفظه للأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا…(3) ". ويمكن فهم ذلك بالمناخ الثقافي الذي كانت تعرفه البصرة في ذلك الزمان, فهي كما قال محمد عابد الجابري في معرض حديثه عن دور البصرة في نشوء حركة التنوير الإسلامية ( القدرية الأوائل وخلفائهم المعتزلة ) بأنها كانت أشبه بهونغ كونغ اليوم, حيث تجد أناسا من أعراق وأديان ولغات مختلفة … وهو ما دفع بهؤلاء المفكرين إلى محاولة تطوير الفكر الإسلامي حتى يستطيع مواجهة التحديات التي يفرضها ذلك التعدد والتنوع الثقافي. وقد كان النظام أحد هؤلاء الذين استطاعوا نقل الفكر الإسلامي نحو العالمية, حيث يروي تلميذه المشهور ( ربما أكثر حتى من أستاذه ) أبو عثمان الجاحظ, بأنه كان متكلما كبيرا لا يشق له غبار, وأنه  كان يناظر ملاحدة الدهرية والمانوية والهندوس واليهود… وما غلبه أحد في مناظرة طوال حياته (4). ولذلك يضعه المعتزلة على رأس الطبقة الثانية من مفكريهم ويعتبرونه ثاني أهم شيوخهم بعد واصل بن عطاء ( الإمام الغزال مؤسس المذهب الاعتزالي) (5).   وهو لا يقل شأنا عن ذلك في مؤلفات الباحثين المتأخرين والمعاصرين. فقد قال عنه المؤرخ الهولندي الشهير دي بور بأنه مفكر جدير بالإعجاب…(6) في حين يصفه عبد الجواد ياسين بأنه يمثل لحظة التوهج الكبرى في الفكر الاعتزالي جميعا (7). وقد ذهب آخرون إلى اعتباره ذروة ما وصل إليه الفكر الإسلامي عبر تاريخه الطويل (8).

ولم تكن المسألة الذرية هي المجال الوحيد الذي تكلم فيه النظام, فهو كان يملك عقلية علمية فذة تميل نحو الموسوعية, وهو ما تجلى في تنوع القضايا التي ناقشها… ولم يكن من الغريب عليه طرح الأسئلة الوجودية الكبيرة كقضية وجود العالم, والتي انقسم حولها المفكرون منذ القدم إلى فريقين, أحدهما يقول بنظري

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التسامح ( قصة رمزية )

كتبها محمد الكوخي ، في 30 مايو 2007 الساعة: 23:47 م

التسامح *  ( قصة رمزية )

 

محمد الكوخي , أيت ملول أكادير المغرب

 

 

كان أبناء القرية يعيشون هانئين في وادي الجهل السعيد وحولهم من الشمال ومن الجنوب ومن الشرق ومن الغرب قد ارتفعت هضاب التلال الدائمة.

وكان مجرى المعرفة الصغير يسير هونا في أخدود عميق بال, و يتبدد عندما يبلغ البطاح والسهول… لم يكن شيئا يذكر إذا ما قيس بالأنهار ولكنه كان يكفي القرويين حاجاتهم الوضيعة. وفي المساء عندما كانوا يسقون ماشيتهم ويملأ ون جرارهم كانوا يقنعون بالجلوس ويتطعمون الحياة… وكان" الكبار العارفون" يحضرون من زواياهم المعتمة حيث كانوا يقضون نهارهم في التأمل في صفحات خفية من كتاب قديم, ويغمغمون بكلمات غريبة لأحفادهم أولئك الذين كانوا يفضلون على غمغمتهم اللعب بالحصى المجلوب من بلاد بعيدة. ولم تكن هذه الكلمات في كثير من الأوقات واضحة ولكن بما أنها كتبت قبل ألف عام من طرف شعب مجهول, فإنها كلمات مقدسة.

ولأن الناس في وادي الجهل كانوا يقدسون كل شيء قديم فأولئك الذين تجرؤوا معارضة حكمة الآباء كان جميع الناس الأبرار يتجنبونهم. وظل الخوف يلازمهم ويتساءلون على الدوام, ماذا يحدث إذا نحن حرمنا من الاشتراك في خيرات الحقل؟ وكانت تتلى عليهم في همس عندما يخيم الظلام في أزقة القرية الصغيرة قصص غامضة عن الرجال والنساء الذين تجرءوا على أن يشكوا ويسألوا. ويقال لهم إنهم ذهبوا ولم يعودوا. ويقال إن عددا قليلا حاولوا تسلق الهضبة التي تحجب عنهم الشمس, ولكن هذه عظامهم البيضاء عند سفح الهضبة… وجاءت السنون ومرت السنون وعاش أبناء القرية في وادي الجهل الأمين…

 

*                     *                    *                     *                      *

ثم من الظلام أقبل إنسان, وكانت أظافر يديه قد تمزقت وقدماه ملفوفتان بالخرق وهي حمراء قد تلطخت بالدم بعد مشاق السير الطويل. ووقف على عتبة الباب لأقرب كوخ إليه, وطرق الباب ثم أغمي عليه فحملوه على ضوء شمعة مرتجف إلى سرير. وفي الصباح ردد الناس كلهم في القرية " أنه قد عاد"…

وقف الجيران حوله وهم يهزون رؤوسهم وكانوا يعرفون من قديم أن هذه هي الخاتمة. كانوا يعرفون أن الهزيمة والتسليم ينتظران أولئك الذين يتجرؤون على الخروج من سفح الجبل. وفي إحدى زوايا القرية جلس " الكبار العارفون" يهزون رؤوسهم وينطقون بكلمات من نار. لم يكونوا يميلون إلى القسوة, ولكن الناموس ناموس, ولقد خالفه هذا الرجل وأخطأ في معارضة رغبات هؤلاء " الكبار العارفين"…

والآن يجب محاكمته عندما تبرأ جروحه.

كانوا يرغبون في محاكمته باللين. وتذكروا عين أمه وكان فيها لمعانا غريبا كأنها تحترق, وتذكروا المأساة التي وقعت لأبيه, إذ ظل طريقه في الصحراء قبل ثلاثين سنة… ولكن الناموس ناموس ويجب الخضوع له, وعلى الكبار العارفين ألا يفوتهم ذلك.

حملوا هذا السائح إلى السوق ووقف الناس حوله وهم في صمت ووقار, وكان لا يزال مضعضعا قد أضناه التعب والعطش, فأمره الكبار العارفون بالجلوس  فأبى. وأمروه أن يلزم الصمت لكنه تكلم. ثم أدار ظهره  إلى الكبار والتفت إلى أولئك الذين كانوا من قليل إخوانه. فقال وكأنه يتضرع إليهم: " أصغوا إلي وابتهجوا. لقد ذهبت إلى ما وراء الجبال وهاأنذا قد وافيتكم من هناك. ولقد وطأت قدماي أرضا جديدة وصافحت أيدي أناس آخرين. ورأت عيناي أشياء عجيبة… إني حينما كنت طفلا صغيرا كانت حديقتنا هي العالم الذي أعيش فيه, ومن حولها في الشمال والجنوب والشرق والغرب هضاب قد قامت منذ بدء الزمان. وكنت عندما أسأل أحدهم, ماذا وراء الهضاب؟ كنت أجاب بهز الرأس وبالصمت. وإذا ألححت في السؤال أخذوني إلى العظام البيضاء, عظام أولئك الذين تجرئوا على تحدي الآلهة. وكنت أصيح وأقول: هذا كذب. إن الآلهة تحب الشجعان. فكان الكبار العارفون يأتون إلي ويقرئون لي من الكتب المقدسة ويقولون أن كل شيء في السماء وفي الأرض مرسوم بالناموس. وأن هذا الوادي بنص الناموس ملك لنا ونعيش فيه, لنا حيواناته وأزهاره وثماره وسمكه نفعل بها ما نشاء. أما الجبال فللآلهة. وما وراء الجب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي