في البدء لا بد من الإقرار بحقيقة بسيطة ومهمة تتعلق بكاتب هذه السطور ويتوقف عليها ما سيأتي في هذا المقال من مواقف وآراء : فأنا لست شيعيّاً ولا أريد أن أدافع هنا عن مذهب معين في مواجهة مذاهب أخرى. أقول هذا الكلام ليس فقط من باب تبرئة الذمة من تهمة " التشيّع " التي صارت رائجة هذه الأيام في المغرب، والتي يمكن لأي مغربي أن يجد نفسه متهما بها بسبب موقف أو رأي أو انتماء معين. بل أقوله كذلك لأنني ببساطة لا أومن بالمذهب الشيعي ولا بأي معتقد من معتقداته سواء فيما يتعلق بالوصية في الحكم لعلي وأبناءه أو بعصمة الأئمة أو بالغيبة واختفاء المهدي وعودته آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا…وغيرها من المفاهيم الشيعية التي نشأت في ظل تاريخ سياسي وطائفي طويل، ولا حتى بالنظريات السياسية الحديثة المرتبطة بهذا الفكر وعلى رأسها " إمامة الفقيه " ونظلم حكم الملالي ورجال الدين… هذا لأنني وببساطة أيضا أومن بثلاثية الحرية والعقل والديمقراطية، وهي أمور تتناقض بشكل مطلق مع أبجديات الفكر الشيعي ذي الطبيعة الاستبدادية وحتى مع كثير من المواقف التي تحسب على الفكر السني المروّج للاستبداد السياسي والمتحالف معه. إن تلك الأفكار الثلاثة ( الحرية / العقل / الديمقراطية ) والمترابطة فيما بينها بشكل كبير هي في نظري أساس أي مشروع مجتمعي ديمقراطي وحديث.
ولعل إيماني العميق بهذه القيم الثلاثة هو الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور من باب " فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين "، في محاولة للتذكير بخطورة الظاهرة الجديدة / القديمة المرتبطة ب " الإكراه " ونفي الحرية وخاصة في الدين. فعقب التطورات السياسية الأخيرة بين المغرب وإيران والتي وصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، واتهام المغرب لإيران بالسعي لنشر التشيع في المغرب، ظهرت إلى السطح مجددا خطابات رسمية حادة عن وحدة الدين ووحدة المذهب في المغرب، لكن ما يميزها هذه المرة ويجعلها خطيرة جدا ترافقها مع تحركات من الأجهزة الأمنية وصلت إلى حد إغلاق المؤسسات التعليمية الأجنبية ( المدرسة العراقية في الرباط ) و القيام بحملات أمنية لمصادرة الكتب والدوريات والمجلات المتهمة بنشر التشيع وصولا إلى استدعاء الأجهزة الأمنية لبعض الناس في عدة مدن مغربية لسؤالهم عن مواقفهم الدينية والسياسية. وهي تطورات خطيرة توحي بأن موضوعا دبلوماسيا غامضا وغير واضح المعالم بدأ يتحول بالتدريج إلى موضوع أمني خطير لا تحمد عواقبه خاصة مع وجود تجارب سابقة شابتها العديد من التجاوزات في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولعل ملف السلفية الجهادية وما رافقه من تداعيات وصلت إلى درجة اتهام هيئات حقوقية دولية من بينها منظمة العفو الدولية للأجهزة الأمنية المغربية بكونها ارتكبت تجاوزات عديدة في مجال حقوق الإنسان، خير مثال على ذلك.
إذن فمثل هذه الممارسات السياسية التي تتخذ طابعا أمنيا في أغلب الأحيان، وفي موضوع حساس جدا كموضوع الحريات الدينية وحرية الاعتقاد والتفكير، يمكن أن تتحول إذا ما لم يتم الانتباه إلى خطورتها إلى نوع جديد من " محاكم التفتيش " القديمة وسيئة السمعة، والتي عرفتها أوروبا المسيحية خلال عصر الظلمات ( القرون الوسطى ) والتي راح ضحيتها عدد كبير من المنتمين إلى أديان مختلفة ( المسلمون واليهود في الأندلس مثلا ) ولم تستثني أيضا عددا من المفكرين والعلماء والمثقفين الذين كانت لهم آراء مخالفة لمواقف الكنيسة الرسمية ( أمثال جيوراندو برونو وغاليلي وكوبرنيك… ) والتي كان لها دور سيء جدا في محاولة إعاقة التقدم العلمي والفكري الذي عرفه عصر النهضة الأوروبية…
فحينما يتم تحويل قضايا الرأي والتعبير والحريات الفردية إلى قضايا أمنية، لا بد أن نتوقع الأسوأ دائما. خاصة حينما تتحول مواقف الناس ومعتقداتهم التي هي في الغالب خاضعة لقاعدة " الاختلاف والتعدد "، إلى موضوع إكراه ذي طابع سياسي وعقدي، يحاول خلاله أحد الأطراف فرض " وجهة نظره " ( التي تبقى في نهاية المطاف مجرد وجهة نظر نسبية قابلة للنقاش والحوار…) وإكراه الآخرين على تبنيها بالقوة مستخدما في ذلك أدوات السلطة السياسية التي يملكها، فعندئذ يولد ما يعرف ب " الإكراه الفكري " والذي تزداد خطورته وتعقيده إذا ما كان موضوعه ذو طبيعة دينية : وهذا هو السيناريو التاريخي لنشوء " محاكم التفتيش " عبر تاريخ الإنسانية الطويل.
وقبل أن نبدأ في مناقشة موضوع " الإكراه المذهبي " في المغرب لا بد أولا من مناقشة موضوع الإكراه الديني بشكل عام وموقف الإسلام الحنيف منه وأيضا موقف الشرائع الكونية لحقوق الإنسان من هذا الموضوع.
ينص القرآن الكريم بشكل واضح لا لبس فيه أو غموض أو إمكانية للتأويل، على " حرية الاعتقاد ونفي الإكراه في موضوع الدين "، وهو ما تؤكده الآية الكريمة التي هي في عمقها مبدأ أساسي من المبادئ المؤسسة للتجربة الدينية في الإسلام ( منذ إبراهيم عيه السلام إلى محمد (ص) ) : يقول تعالى " الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنه ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم " ( البقرة 255/256 ). فالتأكيد في هذه الآية على حرية الاعتقاد ونفي الإكراه في الدين ( لا إكراه في الدين ) تأتي مباشرة بعد آية الكرسي الشهيرة والتي تستعرض عظمة الله ووحدانيته وهذه العظمة والوحدانية هي الضامن الأساسي لهذه الحرية، بما أن الله هو الذي منحها للإنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو اللغوي فهو الذي يضمنها له، يقول تعالى : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقناهم. " ( هود 118 ). وبالتالي لا يجوز لأي إنسان أن يتعرض لهذه الحرية ويحاول مصادرتها لأن ذلك يعتبر اعتداء مباشرا على سلطة الله عز وجل وعلى مقام الربوبية العظيم. وهذا النوع من الاعتداء على مقام الربوبية هو ما يسميه القرآن بمحاولة البشر تنصيب أنفسهم أربابا من دون الله والاعتداء على اختصاصات الله وحده عز وجل. ولعل من أهم هذه الاعتداءات التي يمارسها أصحاب السلط خاصة السلطتين السياسية والدينية هو الحكم على معتقدات الناس وأفكارهم ومصادرتهم لحرية الدين والمعتقد، في الوقت الذي يعلن القرآن صراحة أن هذا الموضوع ( الحكم على معتقدات الناس ) هو خاص وحكر على مقام الربوبية ولا يمكن لأي طرف آخر أيّاً كان أن يحاول التجرؤ على هذا المقام، وتنصيب نفسه ربّاً من دون الله. هذا من جهة ومن جهة أخرى يصر القرآن الكريم على مبدأ آخر أساسي في الموضوع هو مبدأ " الإرجاء " أو التأجيل أي أن هذا الاختصاص الإلهي مؤجل إلى يوم القيامة ولا يجوز لأحد أن يدعي إمكانية البث فيه في هذه الدنيا. يقول تعالى : " قل أفغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون." ( سورة الأنعام الآية 164 ). إن هذه الآية الكريمة تختزل كل شيء في موضوع الحرية الدينية وحرية الاعتقاد الخاضعة لقاعدة الاختلاف، فالله وحده من خلال مقام الربوبية الذي لا يشاركه فيه أحد غيره ( رب السماوات والأرض ) هو الوحيد الذي له الحق في حسم الاختلاف بين الناس وهذا الحسم مؤجل إلى يوم القيامة ولا توجد إمكانية للحسم في الحياة الدنيا قبل يوم الحساب.
وهذا ما جاء الإسلام الحنيف أصلا للثورة عليه وإسقاطه إحقاقا للحق وإعلانا عن جوهره التوحيدي القائم على أساس فكرة مركزية هي " توحيد الله ( هو الله لا إله إلا هو ) وتحرير الإنسان ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ). هذه الفكرة المترابطة والتي يمكن اعتبارها جوهر الدين الإسلامي ( القرآني طبعا وليس التاريخي )، ظلت طوال التاريخ الإنساني عرضة للتحريف سواء عن طريق ضرب جزءها الأول المتعلق بوحدانية الله كما حدث في التجربتين اليهودية ( عزير ابن الله وعقيدة الشعب المختار ) والمسيحية ( عيسى ابن الله وعقيدة الثالوث ) أو من خلال القبول بالجزء الأول المتعلق بوحدانية الله مع إفراغه من مضمونه وضرب الجزء الثاني المتعلق بحري






















